الشيخ عبد الغني النابلسي
34
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
وفي حديث آخر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : لا تشدّ الرحال إلا إلى أربعة مساجد ، مسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ومسجد الجند . انتهى ما وجدناه / في ذلك من الروايات . والجند بالتحريك ، قال الشيخ جمال الدين محمد الأنصاري المعروف بابن مكرم في كتابه لسان العرب « 1 » في اللغة : والجند موضع باليمن ، وفي الحديث ذكر الجند بفتح الجيم والنون ، أحد مخاليف اليمن ، وقيل هي مدينة معروفة بها ، انتهى . [ تفسير النابلسي لمعنى الأحاديث ] وفي النهاية « 2 » لابن الأثير : المخلاف في اليمن كالرستاق في العراق ، وجمعه المخاليف انتهى ، وهي القرى التي تكون حول المدينة ، فمسجد الجند ، مسجد قرية معروفة في اليمن ، أو مسجد مدينة هناك . ومعنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، وفي الرواية الأخيرة إلا إلى أربعة مساجد ، لا تشدّ الرحال إلى مسجد لأجل تعظيمه والتقرّب إلى اللّه تعالى بمجرّد الصلاة فيه ، لأن المساجد في الأرض كلّها سواء من حيثيّة أنها بيوت اللّه تعالى إلا إلى هذه المساجد الثلاثة أو الأربعة ، على حسب الرواية المذكورة ، فإنّ شدّ الرحال إليها لتعظيمها بالصلاة فيها قربة من القربات ، ولا تعرّض في هذه الأحاديث لشدّ الرحال إلى زيارة الأنبياء أو الأولياء أو غير ذلك ، وأنّما هي مسوقة لبيان فضيلة هذه المساجد المذكورة على بقية المساجد التي في الأرض ، بحيث بلغت من الفضيلة والشّرف أنّها تستحق أن تشدّ إليها الرحال دون غيرها من المساجد ، وهذا التقدير في هذه الروايات لا بدّ منه ، لأن شدّ الرحال إلى عرفة لقضاء المناسك واجب إجماعا وكذا للجهاد والهجرة من دار الكفر بشرطها ، وكذلك لبرّ الوالدين ، وهو لطلب العلم سنة أو واجب ، وقد أجمع المسلمون على جواز شدّ الرحال للتجارة وحوائج الدنيا ،
--> ( 1 ) انظر اللسان / جند . ( 2 ) النهاية في غريب الحديث والأثر لأبي السادات المبارك بن الأثير - 606 ه ، طبعة المكتبة الإسلامية / 1963 م ، خمسة أجزاء ، بتحقيق محمود الطناحي وطاهر الزّاوي . انظر صفحة 2 / 70 . وعن الجند انظر المصدر المذكور 1 / 306 .